2017 الثلاثاء 21 نونبر 
 
radio tanger _ maroc
موقع الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة
ركن المتغيبين

عبد الإله الحليمي يتحدث لـ Daba.TV

عبد الإله الحليمي يتحدث لـ %100 شباب

محمد بنطيب يتحدث عن زملائه بالإذاعة

إذاعة طنجة شابة و ستبقى شابة

مشاهد من وحي الذكرى:
مع قيدوم إذاعة طنجة الإعلامي والمتطوع محمد الغربي


في مقدور الأمة المغربية، أن تكون أيامها على امتداد التاريخ، وتسلسل الأحقاب، محطات لذكريات مجيدة، تشكل جسرا معبٍٍْأ تتخطى عليه المراحل وتستمد منها بوادر الإلهام في مواصلة الكفاح من أجل الغد الأفضل... ومع حلول اليوم السادس من شهر نوفمبر، تلفنا أجواء ذكرى مناسبة خالدة، تؤرخ لأضخم ملحمة في تاريخنا الوطني... إنه حدث المسيرة الخضراء، تختلف عن باقي المسيرات والأحداث من حيث المضمون والدلالات، مسيرة تتضمن حقائق، وتشكل كنزا غنيا بالإفادات، لا يجف معينه أبد الدهر، هي بلسم اندملت بفضلها كل الجراحات الغائرة، وأحيت قيما أصيلة، وبعثت روحا وطنية متجددة.
المسيرة الخضراء، حدث جليل صهر المجتمع المغربي، بكل شرائحه، وأطيافه في بوثقة فاعلة، هدفها الأساسي في الحياة، تحرير جزء مغتصب من خريطة الوطن في الجنوب... ويأتي الحدث العظيم، استجابة لنداء الراحل العزيز الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، القاضي بتعبئة شاملة والانخراط في مسيرة خضراء سلمية لتحرير الصحراء... فلبى الشعب الأصيل النداء، فما تخلف رجل وامرأة، الجميع هب ملبيا نداء الوطن والتاريخ.
هذه تصورات وخوالج، استوحيتها من حماس المتطوعين والمتطوعات، وأنا أرافقهم في هذه الرحلة الملحمية من طنجة الى طرفاية، إذ كنت أحد الإعلاميين الإذاعيين الذين أوكلت لهم الإذاعة الوطنية المشاركة في تغطية وقائع حدث المسيرة الخضراء... لكنني ومن حرارة الجو الحماسي، التلقائي والعفوي، الذي كان يسود الجميع، آثرت عن قناعة، أن أكون متطوعا ضمن إخواني المتطوعين، والانسلاخ من المهمة التي كلفتني بها الإذاعة الوطنية، وفضلت أن أكون متطوعا فدائيا على أكون مراسلا إذاعيا.

كانت مدينة مراكش نقطة اللقاء، إذ تحولت المدينة الحمراء الى منتدى عالمي... كل العالم هناك، ممثلا بمختلف وسائل الإعلام، استقطبها أكبر حدث من نوعه يشهده القرن العشرون.
مع صيف شمس الأصيل، امتطى المتطوعون الحافلات والشاحنات في اتجاه مدينة طرفاية، عبر أكادير، تزنيت، كلميم، طانطان... سبعة آلاف وثمانمئة وثلاثة عشرة (7813) حافلة وشاحنة، شكلت قوافل ومواكب، تسد حدود البصر، في نظام مدهش تتهادى في سيرها، بين السهول والجبال، والأودية والكثبان... وفي هذه الأثناء كان مئات المواطنين من سكان المناطق التي يمر بها المتطوعون، الفدائيون الخضر، كانوا يلوحون بتحايا التشجيع والرضا والدعاء بالنصر... وهاهي طرفاية، بساحلها الحالم، تلوح للأعين، لتكون لنا قاعدة العبور الأكبر...

مكثنا في طرفاية ثلاثة أيام، وهي مدة، اندمجت خلالها كليا مع إخواني المتطوعين والمتطوعات أقاسمهم الطعام والشراب، وكنت أنام في مقصورة إحدى الشاحنات... كنت أحدث إخواني المتطوعين عن تاريخ صحرائنا المغتصبة، التي عرفت الحياة بدء من الألف الأولى قبل الميلاد، تحدث عنها هيرودوت، وابن بطوطة، وغيرهما من المؤرخين والرحالة القدماء... أتجول ليلا عبر مئات خيام المتطوعين، لأشاهد الأصالة المغربية في أروع مظاهرها، وألمس كبرياء الشعب المغربي واعتزازه الفائق بقدسية كينونته وتاريخه، حاولت أن أستشف ما بداخل هذه النفوس الطيبة، فإذا هي شعلة يطفح نورها على الوجوه، وهي إصرار يصاغ الى نشاط لا ينال منه نصب و فتور.

حفلات مسترسلة فوق بساط رملي شاسع... غناء ورقص، أهازيج وزغاريد، في انتظار الساعة الحاسمة التي ستغير مجرى التاريخ، وستسفر عن بزوغ شمس اليوم المشهود... ثلاثة أيام كانت كافية لتأقلم المتطوعين مع مناخ الصحراء...
وكان اليوم الخامس من نوفمبر، حيث نقلت الشفاه الى آذان المتطوعين أن قائد المسيرة الخضراء ـ طيب الله ثراه- سيوجه الى المتطوعين، ومن خلالهم الى العالم من مدينة أكادير، خطابا وتوجيها... فبادرت الجموع الخضراء الى التهيئ للاستماع، وساد الأرض صمت كأنه خشوع، كأن الأرض ارتفعت الى السماء... التصقت كل أذن بأجهزة الالتقاط... وعلى أمواج الأثير، جاء صوت مبدع الميسرة، يحدد الوقت لانطلاق الزحف الأخضر: ""غدا شعبي العزيز: ستخترق الحدود الوهمية... غدا ستدخل أرضك، وتحيي صلة الرحم مع إخوانك وأبناء عمومتك..."" وفي أعقاب هذا التوجيه المنتظر، كبرت حناجر آلاف المتطوعين تكبيرا هز عنان السماء، مخترقا أرجاء البيداء... ""غدا"" كلمة حركت العزم التلقائي لدى إخواني المتطوعين، فكان المشهد فوق الوصف والإدراك... عناق متبادل بين الأفراد، وحماس تلاحمي يسري دفئه في الحنايا والأوصال... عناق فدائي لفدائي... في هذا المشهد الرهيب، تصور العالم انطلاقة طائر طوله خمسون كيلومترا (50)، يرفرف بثلاثمائة وخمسين (350) ألف جناح، ملايين ريشاته مزينة باللونين الأحمر والأخضر، رمز الأنفة والكرامة،والحب والشهامة... إنه أمر واقع ليس أمامه عائق أو مانع. أمن السماء وقع، أم من الأرض ارتفع؟

مع انبلاج خيوط صباح السادس نوفمبر، تحركت أقدامنا تدك ما كان يعتبر في ذهن المغتصب حاجزا ومانعا طالما فرق بين أجزاء الوطن الواحد... اخترقت الآلاف من المتطوعين تراب الجزء السجين، وتوغلت الى عمق واسع، حتى بدت لنا بوضوح مشارف مدينة العيون، وكأنها كانت تستنجد بالزحف الأخضر... وتنفيذا لأوامر مبدع المسيرة وقائدها طيب الله ثراه، توقفنا عن السير، ووضعنا رحالنا، وقبلنا التربة الزكية، وأدينا صلاة الشكر... وعلى مسافة قصيرة كان هناك بقايا جسر بدائي البناء، كان يمر عليه الذاهبون نحو مدينة العيون، تلك القنطرة هدمتها السلطات العسكرية الاسبانية، لتكون حائزا مانعا أمام احتمال تدفق الأمواج البشرية المستعدة لكل عمل شيطاني.

ثم جاء الأمر الملكي الثاني، متضمنا إعلان مبدع معجزة القرن العشرين الى المتطوعين: ""عودوا...عودوا أيها الأبطال الى حيث انطلقتم، فقد كلل الله بالنجاح مسعانا، وعلى درب الحق وفق خطانا..."" يتفجر اعتزاز القائد الحكيم بالمتطوعين والمتطوعات، ويعلو الى أرفع مستوى النسب، حيث خاطب الحسن الثاني طيب الله ثراه تلك الجموع وهي تحجب الأفق بكلمة "إخواني المتطوعين"... كان لوقع تلك الكلمة السامية تأثير عجيب في نفوسنا، هزنا هزا مؤثرا، وأفاض فينا فخرا وزهوا... ترقرقت عيوننا من وقع سحر الكلمة، بدموع فرحة النصر... لم أدرك معنى الفرح، في أبعاده النفسية إلا في هذا الموقف التاريخي الحاسم.
""إخواني المتطوعين"" لكلمة يلقيها الراحل العزيز في مسمع العالم، للتذكير بسر تلاحم القمة بالقاعدة، لأن سر عروة المغرب وقوته وتجدده الدائم، ينبع من التحام روحي وعضوي، يبقي المغرب قادرا على أن يحفظ مقدساته وكرامته بالغالي والنفيس.

وهكذا ستظل ذكرى المسيرة الخضراء لدى أجيال ما بعد المسيرة، حدثا تاريخيا، يشهد على أن أمجاد المغرب تعرف الإشراق تلو الإشراق، وأن البطولة المغربية من الزلاقة الى وادي المخازن الى الجولان وسيناء، ستظل حية حاضرة تسير نحو الارتقاء، وستظل الذكرى عند جيل المسيرة، حدثا غاليا، يجسد حماسا أوقدته ذرر مولوية.

وطني لك في القلوب محبة لا توصف، يا منهل الحب الذي نترشف
يا خير دار في الدنا تواصلت أرحامهم، وأضاء فيها المصحف
نحن الذين على ثراك تفتحت أبصارهم، وعلى هواك تألفوا
نحن الذين إذا ناديتهم، أتوا كالبرق، حيث يدعو الموقف
إما انتصار نحن فيه لك الفدى، أوصولة لك، نحن فيها الأحرف
للأيام في ديدن الزمان مراتب وكمائل، وفي مسيرة تاريخنا مواكب خير وفضائل، وفي صحوة عهد محمد السادس مكارم مجد متجددة، تتجذر من أحضان العرش الأثيل، وتتقوى بعزيمة الشعب الحر النبيل.
وكل عام ومغربنا الحبيب بخير.

 

 

 
               
33Avenue le prince Moulay Abdellah Tanger - Tel : 05.39.32.16.80/81 Fax : 05.39.94.61.26      رقم ، شارع الامير مولاي عبد الله طنجة  الهاتف 05.39.32.16.80/81 
                                               جميع الحقوق محفوظة ©
                                         webmaster : Rachid El Idrissi  contact : radiostation@menara.ma
محمد الغربي